في عصر استخدام التكنولوجيا المتقدمة، حيث يمكنك الشراء من الهاتف المحمول، أو قيادة سيارة كهربائية أو إرسال رسائل البريد الإلكتروني في ثوان إلى الجانب الآخر من الكوكب، لا يزال هناك واقع قائم يتناقض مع هذا التقدم: الملايين من الناس في العالم لا يعرفون القراءة أو الكتابة.. وعلى الرغم من انخفاض معدلات الأمية في العديد من المناطق، إلا أنها لا تزال تؤثر على المجتمعات المحرومة وتترك عواقب اقتصادية واجتماعية وشخصية على من يعانون منها.
تحدي الأمية: مشكلة عالمية
وإسبانيا لا تفلت من هذا الواقع. حاليًا، يوجد في البلاد أكثر من 800.000 شخص يواجهون حواجز في القراءة والكتابة، حيث يكون وصولهم إلى المعلومات ذات الصلة محدودًا أو في فرص التطور الكامل في كل من مجالات العمل والشخصية. لكن هذه المشكلة لها وجه واضح: سبعة من كل عشرة أميين هم من النساء، الأغلبية فوق 60 سنة. وتعكس هذه الإحصاءات قصص عدم المساواة في الحصول على التعليم، حيث تم إحالة المرأة إلى أدوار العمل المنزلي أو العمل اليدوي، مع استبعادها من فرص التدريب.
وعلى المستوى العالمي، فإن التوقعات ليست أقل إحباطا. ووفقا للأمم المتحدة، فإن أكثر من 65 مليون قاصر غير ملتحقين بالمدارس، مما يؤدي إلى إدامة دورة من الفقر والاستبعاد بين الأجيال. وفي البلدان النامية، لا يقتصر نقص معرفة القراءة والكتابة على السكان البالغين؛ ويعاني الأطفال والمراهقون أيضاً من عواقب نقص الموارد التعليمية والسياسات الشاملة.

من هم الأكثر تضررا من الأمية؟
وتشمل الصورة السائدة بين الأميين تمثيلاً نسائياً قوياً، لا سيما بين السكان الذين تزيد أعمارهم عن 60 عاماً. في شبابهن، عاشت العديد من هؤلاء النساء في سياقات ريفية أو منخفضة الدخل حيث كانت الأولوية للمساهمة اقتصاديًا في المنزل، تاركين التعليم كرفاهية لا يمكن الوصول إليها. ولكن هذا النقص في التعليم لا يؤثر على النساء فقط؛ كما تم تحديد زيادة في عدد الشباب الذين يفتقرون إلى المهارات الأساسية بسبب مسارات العمل المبكرة أو التسرب من المدرسة.
راؤول، الطالب في مركز برنال دياز ديل كاستيلو العام لتعليم الكبار (CEPA) في ميدينا ديل كامبو، يجسد هذا الوضع. وفي سن 46 عاما، قرر أن يواجه عار عدم معرفة القراءة أو الكتابة لتحقيق هدف: الحصول على رخصة القيادة، وهو الهدف الذي يعتبره خطوة أساسية لتحسين حياته. يوضح هذا المثال كيفية الوصول إلى دروس محو الأمية يمكن أن تحول الحياة.
تأثير الأمية على نوعية الحياة
ولا تحد الأمية من فرص العمل فحسب، بل تحد أيضا من القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، أو التفاعل مع البيئة الرقمية، أو حتى فهم التعليمات الخاصة بالأدوية الأساسية. وفي عالم مترابط بشكل متزايد، فإن الافتقار إلى مهارات القراءة والكتابة لا يؤدي إلى إدامة الاستبعاد الاجتماعي فحسب، بل يزيد أيضا من الضعف الاقتصادي والصحي للأميين.
وبالنسبة للمسنات اللاتي لم يتمكن من الوصول إلى التعليم الرسمي، فإن الترمل أو الانفصال يمثل تحديًا إضافيًا. إنهم يزعمون أنهم يشعرون بأنهم "غير مرئيين" في مجتمع حديث يتقدم بسرعة. ولهذا السبب يلجأ الكثير منهم إلى مراكز تعليم الكبارأو الجامعات الشعبية أو برامج المنظمات غير الحكومية لتعلم القراءة والكتابة، ليس فقط من أجل الاستقلالية، ولكن أيضًا كوسيلة لتمكين نفسك والاستمتاع ببيئتك.

فصول محو أمية الكبار: أداة أساسية للإدماج
ال فصول محو أمية الكبار وهي تظهر كاستجابة رئيسية لمعالجة هذه المشكلة. وفي إسبانيا، يمكن الوصول إلى هذه المبادرات من خلال مؤسسات وبرامج مختلفة، بدءًا من المراكز التعليمية المتخصصة وحتى الجمعيات المجتمعية.
وفي مدن مثل مدريد، تنظم جمعيات مثل "La Frontera Social" دورات مصممة خصيصًا للبالغين الذين يرغبون في تعلم المهارات الأساسية مثل القراءة والكتابة والحساب. ولكن إلى جانب تدريس المعرفة التقنية، توفر هذه البرامج مساحة آمنة حيث يكتسب الطلاب الثقة ويلتقون بأشخاص آخرين لديهم قصص مماثلة، مما يخلق إحساسًا قويًا بالمجتمع.
محو الأمية الرقمية، تحدي جديد
وفي السياق الحالي، لا تقتصر الأمية على عدم القدرة على القراءة و الكتابة. ويشمل أيضا عدم وجود مهارات التفاعل مع التكنولوجياوهو ما يسمى الأمية الرقمية. تمنع هذه المشكلة الأشخاص من تصفح الإنترنت أو إرسال رسائل البريد الإلكتروني أو إجراء المعاملات عبر الإنترنت، مما يتركهم خارج العالم الرقمي.
ولمعالجة هذا البعد، تقوم العديد من برامج محو الأمية بدمج المهارات الرقمية في مناهجها الدراسية، وتعليم كبار السن كيفية استخدام الهواتف المحمولة، أو إجراء مكالمات الفيديو، أو إدارة الشبكات الاجتماعية، أو إجراء الخدمات المصرفية عبر الإنترنت. ولا تؤدي هذه الخطوات إلى تقليص الفجوة الرقمية فحسب، بل تعمل أيضًا على تمكين الأشخاص من أداء وظائفهم بشكل أفضل في الحياة اليومية.
بالإضافة إلى ذلك، تقدم مبادرات مثل مبادرة UNED في توديلا دورات مصممة خصيصًا للأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا، مع دمج أدوات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لضمان شيخوخة نشطة وصحية. تتراوح البرامج من إدارة البريد الإلكتروني إلى استخدام تطبيقات الهاتف المحمول، وكلها مكيفة لتناسب الاحتياجات الخاصة لهذه الفئة العمرية.

دور العمل التطوعي في محو الأمية
ويلعب العمل التطوعي دوراً أساسياً في مكافحة الأمية. خصصت الجمعيات والمنظمات غير الحكومية على المستوى الوطني والدولي أشخاصًا يكرسون ساعات من وقتهم لتدريس المهارات الأساسية لأولئك الذين هم في أمس الحاجة إليها. وفي المقابل، يقوم المتطوعون أيضًا بتطوير مهارات مثل التعاطف والصبر والعمل الجماعي.
ففي مدريد، على سبيل المثال، لا تسعى البرامج التي تقودها منظمة "لا فرونتيرا سوشال" إلى تعليم المهارات الأساسية فحسب، بل تسعى أيضاً إلى خلق بيئة شاملة. يتلقى المتطوعون تدريبًا أوليًا ويعملون بشكل وثيق مع الطلاب، ويقومون بتعديل الدروس وفقًا لاحتياجاتهم الفردية وسرعتهم.
وتثبت هذه المبادرات، إلى جانب المبادرات المماثلة في بقية أنحاء العالم، أن محو الأمية لا يغير حياة أولئك الذين يتلقونها فحسب، بل وأيضاً حياة أولئك الذين يعلمونها.
إن مكافحة الأمية، التقليدية والرقمية، ليست مهمة سهلة، ولكن كل جهد مهم. إن شهادات أشخاص مثل ماريا خيسوس ومانويلا وراؤول هي أمثلة على كيف يمكن لفرصة تعليمية ثانية أن تغير حياة الناس، وتفتح أبوابًا جديدة للاستقلال واحترام الذات والتنمية الشخصية.