شهد التواصل المؤسسي في المجال الديني بإسبانيا قفزة نوعية هذا العام، مما يدل على أن الشفافية والمساءلة لم تعدا مجرد خيارات، بل أصبحتا ركيزتين أساسيتين. وفي فعالية أقيمت مؤخراً في مقر مؤتمر الأساقفة الإسبان في مدريد، تم التأكيد على أن الجهود المبذولة لفتح الأبواب الرقمية للأبرشيات تؤتي ثمارها، مما يتيح للمواطنين الوصول إلى معلومات أكثر وضوحاً وتنظيماً حول إدارة الموارد والأنشطة الرعوية.
خلال الحفل الذي أقيم في منتصف يونيو، مُنحت 25 شهادة جودة لمنظمات مختلفة أثبتت التزامها بتلبية معايير التقييم الصارمة. ولا يُعد هذا التكريم مجرد شهادة شكلية، بل هو ثمرة تدقيق خارجي دقيق يُمعن النظر في كيفية تقديم الكنيسة نفسها للمجتمع المعاصر، ساعيةً دائماً إلى لغة أكثر وضوحاً وبساطة تتجنب غموض الماضي.
تقييم دقيق يستند إلى مؤشرات الجامعة
يقف وراء هذه الجوائز فريق بحث ComSET التابع لجامعة برشلونة المستقلة، والذي طور منهجية خاصة لقياس جودة المعلومات العامة على مواقع الكنائس الإلكترونية. في هذه الدورة، استُخدم 33 مؤشرًا مختلفًا، تتراوح بين سهولة الوصول إلى الميزانيات وتحديث أخبار الأبرشية، الأمر الذي يتطلب من إدارات الاتصالات الحفاظ على مستوى عالٍ باستمرار لتجنب التخلف عن الركب.
أشار مدير الأبحاث، أرماند بالسبري، إلى أن التحسن واضحٌ جليّ عند مقارنة هذه البيانات ببيانات العام الماضي. فقد ارتفع عدد المؤسسات الحائزة على جوائز من 20 إلى 25، ما يُمثل زيادةً ملحوظةً في نسبة المؤسسات التي حصلت على درجات عالية. ووفقًا للخبراء، تُعدّ هذه الأنواع من التقييمات الخارجية الأداة الأمثل لتجاوز الغموض وبناء ثقة حقيقية بين المواطنين والمؤسسات ذات الأهمية التاريخية.

أكد رئيس المؤتمر الأسقفي، لويس ج. أرجويلو، التزامه الراسخ بالشفافية، انطلاقاً من إدراكه أن إدارة أموال شعب الله تتطلب توافقاً تاماً مع رسالة الإنجيل. فالأمر لا يقتصر على الامتثال للقانون فحسب، بل يتعداه إلى إثبات عملياً أنه لا يوجد ما يُخفى، وأن كل يورو وكل دقيقة تُخصص لخدمة الآخرين تخضع لحسابات موثقة وشفافة.
أبرشية حاصلة على أعلى الدرجات وتطور إيجابي
في تصنيف هذا العام، حققت مجموعة من ثلاثة عشر أبرشية إنجازًا لافتًا بوصولها إلى مؤشرات إيجابية بنسبة 100% . ومن بين هذه المؤسسات التي اقتربت من الكمال، أبرشيات بورغوس، وتاراغونا، وطليطلة، بالإضافة إلى أبرشيات أخرى مثل سانتاندير، وبلباو، وقرطاجنة، وهويلفا، وغيرها. يُبرهن هذا النجاح الباهر على أنه بالإرادة الصحيحة وفريق تقني كفؤ، يُمكن توفير بوابات شفافة تُضاهي تلك التي تُقدمها أكثر الإدارات العامة تطورًا.
كما شهدت جهات أخرى تحسناً ملحوظاً، مثل أبرشية ميريدا-باداخوز التي ارتفعت إلى 91%، وأبرشية كوريا-كاسيريس التي حققت نسبة امتثال متميزة بلغت 97% في الإفصاح عن المعلومات. حتى الأماكن ذات الموارد التقنية الأقل، مثل أبرشية آفيلا، تمكنت من تجاوز نسبة 90%، مما يدل على أن الشفافية مسألة تتعلق بالتوجه المؤسسي أكثر من الميزانية، على الرغم من أن عمل أقسام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أساسي لتحقيق هذا المستوى من الامتثال.
خلال الفعالية، أكدت شخصيات بارزة، مثل لورينا جورنا، رئيسة قسم الشفافية في كنيسة كوريا-كاسيريس، أن هذه العملية الابتكارية تهدف إلى إضفاء طابع إنساني على تواصل الكنيسة . وتقوم الفكرة على تمكين أي شخص، مؤمنًا كان أم لا، من فهم ما تقدمه الكنيسة لمجتمعها بنظرة سريعة، وذلك باستخدام أدوات حديثة كالقنوات الأخلاقية وصناديق الاقتراحات التي تُسهّل الحوار المتبادل وتمنع اللغة التقنية من أن تصبح عائقًا لا يُمكن تجاوزه.
يبدو هذا المسار نحو مزيد من الشفافية حتميًا، إذ يرسخ ثقافة الحوكمة الرشيدة التي تعزز مصداقية المؤسسات الكنسية في جميع أنحاء إسبانيا. وفي نهاية المطاف، يتمثل الهدف المشترك لجميع الأطراف المعنية في أن ينتقل العمل اليومي للكنيسة من الغموض العام إلى الوضوح التام، مما يسمح للمجتمع بتقييم إدارة الموارد بحجج قوية وبيانات موثقة، متجاوزًا الأحكام المسبقة بفضل دقة المعلومات المقدمة بشكل جيد.